عامر النجار
46
في تاريخ الطب في الدولة الإسلامية
والآخر ماء قد طبخت فيه زعفرانا غير مطحون . وقد رأى جميع الأطباء الذين بالحضرة وأنا استعمل هذه المياه ، فلم يقدر أحد منهم أن يتمثل استعمالى إياها ، وذلك لأنهم لا يعرفون الكيفية ، ولا المقدار الذي يحتاج أن يقدر في كل يوم من كل واحد من هذه المياه ، على حسب ما تحتاج إليه العلة . وذلك أن تقدير ما كان لتلك المياه عند شدة الوجه وغلبته بنوع ، وعند تقور النتؤ بنوع ، وعند كثرة الوسخ في القرحة أو الزيادة في عفنها بنوع . ولم أستعمل شيئا سوى هذه المياه وبلغت إلى ما أردت من سكون نتؤ الغشاء العيني الذي كان نتأ ، وتسكين الوجع وتنقية القرحة في وقت ما كان الوسخ كثيرا فيها ، وانبات اللحم فيها في وقت ما كانت عميقة ، واندمالها في وقت ما امتلأت . ولست أخلو في يوم من الأيام من أن أبين من مبلغ الحذق بهذه الصناعة ما هذا مقداره في العظم أو شبيه به . وأكثر من يرى هذا من الأطباء لا يعلم أين هو مكتوب فضلا عما سوى ذلك وبعضهم إذا رأى ذلك لقبنى البديع الفعل ، وبعضهم البديع القول . مثل قوم من كبار أطباء رومية حضرتهم في أول دخلة دخلتها عند فتى محموم وهم يتناظرون في فصده ، ويختصمون في ذلك . فلما أن طال كلامهم قلت لهم : إن خصومتكم فضل ، والطبيعة عن قريب ستفجر عرقا ويستفرغ من المنخرين الدم الفاضل في بدن هذا الفتى ، فلم يلبث أن رأوا ذلك عيانا ، فبهتوا في ذلك الوقت ولزموا الصمت ، وأكسبنى ذلك من قلوبهم البغضة ، ولقبونى البديع القول . ويقول . . حضرت مرة أخرى مريضا وقد ظهرت فيه علامات بينة جدا تدل على الرعاف ، فلم أكتف بأن أنذرت بالرعاف حتى قلت إنه يكون من الجانب الأيمن . فلامنى من حضر ذلك من الأطباء وقالوا : « حسبنا ليس بنا حاجة إلى أن تبين لنا » فقلت لهم : « وأراكم مع ذلك أنكم عن قريب سيكثر اضطرابكم ويشتد وجلكم من الرعاف الحادث ، لأنه سيعسر احتباسه ، وذلك أنى لست أرى طبيعته تقوى على ضبط المقدار الذي يحتاج إليه من الاستفراغ والوقوف عنده . فكان الأمر على